حدث الآن
  • قوات الاحتلال تعتقل الطفل أحمد سامي العروج من داخل منزل عائلته في بلدة تقوع جنوب شرق بيت لحم
  • قوات الاحتلال تعتقل المصور الصحفي مصطفى الخاروف من واد الجوز بالقدس المحتلة
  • قوات الاحتلال تعتقل شاباً من داخل المسجد الأقصى المبارك.
  • قوات القمع تقتحم قسم 12 في معتقل "عوفر" وتجري تفتيشات بداخله
  • قوات الاحتلال تعتقل طفلين قرب المسجد الإبراهيمي في الخليل
  • قوات الاحتلال تعتقل الطالب في كلية القانون بجامعة القدس أسامة خصيب من بلدة عارورة شمال غرب رام الله أثناء عودته من الجامعة.
  • قوات الاحتلال تعتقل شاباً من محل تجاري في وسط الخليل.
  • إدارة معتقلات الاحتلال تنقل الأسير المضرب عن الطعام حمزة مروان بوزية (27 عاماً) إلى الزنازين الانفرادية في معتقل "ريمون".
  • محكمة الاحتلال في "عوفر" تقرر الإفراج عن الزميلين الصحفيين عامر وإبراهيم الجعبري بكفالة مالية قيمتها 6 الاف شاقل حيث اعتقلتهما قوات الاحتلال قبل أسابيع
  • قوات الاحتلال تعتقل شاباً قرب مخيم عايدة شمال بيت لحم
الخميس : 02/11/2017 08:56
عدد المشاهدات 53

في ذكرى مرور قرن على وعد بلفور

أنين القيد - نابلس - الأسير كميل أبو حنيش

 

يزخر التاريخ الفلسطيني الحديث بالمناسبات الكارثية التي حلت بالشعب الفلسطيني طيلة 135 عاماً من الصراع، وذلك بدءاً من إقامة مستوطنة " بتاح تكفا " على أراضي قرية ملبس كأول مستوطنة يهودية على أرض فلسطين سنة 1878 وحتى آخر بؤرة استيطانية يجري زرعها في قلب فلسطين هذه الأيام، وما بينهما من حروب ونكبات ونكسات وويلات ومآسٍ ومؤامراتٍ دوليةٍ.

 

وربما يمكننا إضافة كارثة لسلسلة الكوارث الفلسطينية تتمثل في اختلافنا في تحديد أهم محطة في تاريخ الصراع وهو ما يعكس خلافاتنا السياسية العميقة في تحديد أهدافنا الاستراتيجية، فهناك من يعتبر اتفاق أوسلو هو أهم محطة كارثية في تاريخ الصراع، وبعضنا يرى أن نكسة العام 67 تشكّل إحدى أهم الكوارث التي أوصلت " إسرائيل" لذروة انتصاراتها وسيطرتها على أجزاء شاسعة من الأراضي العربية.

 

وآخرون يعتبرون نكبة العام 1948 هي الخط الفاصل بين مرحلتين وأسست لمأساة شعبنا وضياعه، ومنا من يؤرخ للكارثة منذ وعد بلفور بوصفه محطة دفعت بالمشروع الصهيوني أن يخرج للأمام بصورة متسارعة، وبعضنا يرى بظهور الحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر هي بداية الكارثة، وآخرون يعتبرون تشييد مستوطنة " بتاح تكفا " على أراضي قرية ملبس هي بداية الكارثة باعتبار أنها شكّلت إرهاصاً لبدايات الأطماع اليهودية في فلسطين.

 

وبصرف النظر عن اختلافنا في تحديد بداية الكارثة فإننا متفقون بأن هذه المحطات تشكّل حلقات متصلة في سلسلة المشروع الصهيوني، وترسم صورة بيانية تشير إلى نجاحات هذا المشروع ومثابرته العنيدة على المضي قدماً في السيطرة على الكيان الصهيوني ومحاولة إخراج الشعب الفلسطيني من التاريخ والجغرافية.

 

خلال عملية الاستيطان الأولى في أراضي قرية " ملبس" سنة 1878 وزع المستوطنون اليهود منشوراً جاء فيه " لا تخافوا العرب فهؤلاء ليست لديهم كراهية مكبوتة تجاه شعب إسرائيل وإذا غرسنا الأمل في نفوسهم بأننا سنحسن معاملتهم وإذا بدأوا بالاستفادة منا فإنهم سيركعون لنا رغم أنفهم".

 

لم تكن الحركة الصهيونية قائمة أثناء توزيع هذا المنشور، ولكن تفوح منه رائحة المشروع الصهيوني، كما تنطوي لغته على إرهاصات تبلور الفكر الصهيوني، وظهور تيارات يهودية لا سيما في أوروبا وروسيا عبرّت عنها ضغوطات الجمعيات اليهودية كجمعية " أحباء صهيون" وكتابات بعض المثقفين والأدباء اليهود الذين دعوا صراحة إلى الهجرة المكثفة لفلسطين وإحياء التراث والثقافة اليهودية وهو ما مهد لولادة الفكر الصهيوني .

 

لقد جاءت أفكار " هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عسر في إطار مجموعة من التطورات، فهي جاءت أولاً في ذروة حركة الاستعمار العالمي، وثانياً في ظل ضعف المنطقة وتخلفها وهشاشة الإمبراطورية العثمانية التي كان يطلق عليها "الرجل المريض"، وثالثاً في إطار بروز مبادئ ما يعُرف " بالمسألة اليهودية " في أوروبا، ورابعاً في ظل تطور الفكر القومي وظهور القوميات الأوروبية.

 

إن هذه العوامل والتطورات شجعت باتجاه تبلور الفكر الصهيوني لدى " هرتزل" عبّر عنه بفكرة الدولة اليهودية والتي كرس كل مجهوداته للتخطيط لإنشائها وحينها عُقدت المؤتمرات الصهيونية المتعاقبة التي أخرجت الحركة الصهيونية ومؤسساتها إلى النور والتي بدورها نشطت في جهود تشريع حركة هجرة اليهود إلى فلسطين وبناء المستوطنات فيها.

 

والأهم من كل ذلك نشطت الحركة الصهيونية في الاتصال بالدول الكبرى لتبني المشروع الصهيوني، وبذلك نجحت هذه الحركة في بناء الأطر والمؤسسات والمستوطنات على الأرض خلال عشرين عاماً قبل احتلال بريطانيا لفلسطين، وقبل صدور وعد بلفور بصيغته المعروفة، وكل ذلك كان يجري على مرمى ومسمع الفلسطينيين والعرب والدولة العثمانية والتي لم تحرك ساكناً لإجهاض هذا المشروع قبل أن يُولد، وهو لا يفسر ضعف وقلة حيلتها فحسب وإنما أيضاً تواطؤها مع هذا المشروع.

 

لقد كانت إقامة مستوطنة " بتاح تكفا" هي الحلقة الأولى في المشروع الصهيوني وشكّلت ولادة الحركة الصهيونية الحلقة الثانية في هذا المشروع، أما الحلقة الثالثة والمهمة تتمثل في ترجمة المشروع على أرض الواقع من خلال تشجيع الهجرة اليهودية وتشييد المستوطنات، أما الحلقة الرابعة والمفقودة والتي تحظى بالاهتمام من جانب المؤرخين فتتمثل في تواطؤ الدولة العثمانية وتغاضيها وتساهلها مع هذا المشروع فهي كانت تعلم علم اليقين حقيقية المشرع الصهيوني ولم تمنع تدفع المهاجرين إلى فلسطين، بل سمحت لهم بإقامة المستوطنات، لتأتي بعدها الحلقة الخامسة باحتلال بريطانيا لفلسطين وتمهد للحلقة السادسة والمهمة بتبنيها الرسمي لمشروع الدولة اليهودية من خلال الإعلان المشهور " وعد بلفور".

 

لقد وُلد وعد بلفور في إطار مجموعة من الأحداث والتطورات غير المسبوقة في التاريخ:

أولاً: جاء هذا الإعلان في ذروة الاستعمار العالمي وكانت بريطانيا في حينه هي أبرز وأقوى دولة استعمارية في العالم ولديها أكبر تجربة في إحلال الجماعات الاستيطانية مكان الشعوب الأصلية كما حدث في أمريكا الشمالية واستراليا ونيوزلندا وعشرات الجزر المنتشرة في البحار والمحيطات، وبهذا فإن المشروع الصهيوني شكّل إحدى الركائز في منظومتها الاستعمارية ومنظورها الاستراتيجي والسيطرة على المنطقة وتوسع هذا المشروع ليمثل حالة وظيفية لحركتها الاستعمارية.

 

ثانياً: كما جاء هذا الإعلان في ذروة تطور الرأسمالية ودخولها مرحلة الاحتكارات وهي المعروفة بالمرحلة الامبريالية التي تقوم على امتصاص خيرات الشعوب والبحث عن الأسواق والمواد الخام والأيدي العاملة الرخيصة وتصدير رؤوس الأموال إلى جانب البضائع وهو ما أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى بين الدول الامبريالية المهيمنة على الأسواق والموارد وهو ما يدلل على أن إنشاء الدولة اليهودية تشكّل قاعدة متقدمة للإمبريالية العالمية.

 

ثالثاً: ولد هذا الكيان في خضم الحرب العالمية الأولى ونهايتها لصالح دول الحلفاء وفي مركزها بريطانيا العظمى وهزيمة تركيا وانكشاف الغطاء عن مؤامرة " سايكس بيكو" لاقتسام ممتلكات الإمبراطورية العثمانية المتهالكة بين الدول الاستعمارية، وبالتالي فإن انتصار بريطانيا في الحرب وسيطرتها على معظم المنطقة بما فيها احتلال فلسطين قد فتحت الباب على مصراعيه أمام تأسيس مشروع الدولة اليهودية قولاً وعملاً.

 

رابعاً: كما جاء هذا الإعلان وكافة البلدان العربية ترزح تحت الاستعمار بدءاً بدول المغرب العربي ومروراً بمصر وسوريا والعراق وشرق الأردن ولبنان وليس انتهاءً بشبه الجزيرة العربية؛ فالعالم العربي في حينه لم يكن تعداده السكاني يتجاوز الـ30 مليون نسمة وفي ظل الفقر والجهل والتخلف والاستعمار وهو ما سمح للمشروع الصهيوني أن يتقدم خطوات كبيرة للأمام دون أن يواجه أية مقاومة جدية من شعوب المنطقة.

 

خامساً: وأخيراً جاء هذا الإعلان في مرحلة نضج الحركة الصهيونية بعد عشرين عاماً على ظهورها وانجازها عشرات الإنجازات الحيوية، وتجسيدها للحقائق على الأرض كالمستوطنات والمؤسسات وتنظيمها لهجرة عشرات الألوف من المستوطنين اليهود.

لقد تكاملت هذه العوامل ودفعت باتجاه خروجها إلى الإعلان عن وعد بلفور الذي لا يُعّبر عن موقف شخصي كون صاحبه أحد المتحمسين للمشروع الصهيوني بقدر ما عبّر عن قرار استراتيجي لبريطانيا العظمى في إطار رؤيتها الشمولية الاستعمارية للمنطقة، وهو ما أسس للصراعات المقبلة خلال القرن المنصرم في المنطقة.

 

كان لقرار زرع الدولة اليهودية الكولونيالية في جسد المنطقة بمثابة تشكيل قاعدة استعمارية قوية تؤدي دورها الوظيفي في خدمة المشروع الاستعماري البريطاني بل والمشروع الاستعماري الامبريالي العالمي، ومن أهم نتائج هذا المشروع أنه عطّل إلى اليوم إمكانية قيام دولة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، وساهم في إبقاء حالة الشرذمة والانقسام وتجزئة الوطن العربي إلى دول ودويلات وممالك وإمارات وكبح الوحدة العربية وساهم في إشعال الصراعات الطائفية والدينية والعرقية والقومية في المنطقة برمتها.

 

وبعد مرور 135 عاماً من الصراع ومائة عام على وعد بلفور وبالرغم مما حمله المشروع الصهيوني من ويلات وحروب ومآسٍ وما حققته من انجازات إلا أننا نرى أن هذا المشروع يواجه تحديات ذات طابع استراتيجي نلخصها بما يلي:

 

1) بالرغم من نجاح المشروع الصهيوني وما أحرزه من إنجازات إلا أن ذروة انتصاراته كانت عام 1967 ثم أخذ بالتراجع التدريجي بفعل الحروب والمقاومة العربية والفلسطينية، فهو يتقلص في الجغرافية بعد تحرير سيناء وجنوب لبنان وقطاع غزة، وبهذا فإنه يعاني من الاختناق الاستراتيجي، وهو ما ينذر بحروب في المستقبل بسبب طبيعة هذا المشروع التوسعية والعدوانية.

 

2) فشل المشروع الصهيوني في اقتلاع الوجود الفلسطيني على الأرض، وحالياً يصل تعداد الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين قرابة الـ6 مليون نسمة وهو رقم يقارب أعداد اليهود في فلسطين، وهذا ما يقلق دولة الكيان الذي لطالما يستمر في التحذير من القنبلة الديمغرافية الفلسطينية.

 

3) لم تستطع دولة الكيان من القضاء على حالة المقاومة التي انطلقت منذ البدايات الأولى للمشروع الصهيوني، وستظل هذه المقاومة قائمة ومتجددة وتتطور مع الوقت، كما استطاعت إحراز نجاحات باهرة في العقدين الآخرين كتحرير جنوب لبنان وتحرير قطاع غزة.

 

4) بالرغم من الحالة البائسة التي تشهدها المنطقة العربية هذه الأيام، إلا أن العالم العربي يختلف عنه قبل مائة عام فتعداده اليوم تجاوز 300 مليون نسمة ونشأت دول مركزية وقوية في المنطقة، ورغم تبعية بعض أنظمتها العربية لا زالت الشعوب العربية ترفض الاعتراف والتطبيع مع دولة الكيان، بل ولا زالت وستظل تعادي هذا المشروع الذي يقف عقبة في طريق تقدمها وازدهارها، ولا ننسى أن التطورات العربية والتحّولات الجارية في المنطقة أثارت قلقاً كبيراً في " إسرائيل" التي تخشى أن تفضي هذه التحوّلات إلى نشوء ديمقراطيات عربية من شأنها أن تفضح الديمقراطية الزائفة في " إسرائيل" وتساهم في النهضة العربية على كافة الصعد.

 

5) وعلى الصعيد الإقليمي فقدت " إسرائيل" العلاقة مع الدول التي عقدت معها تحالفات استراتيجية لمحاصرة العالم العربي، فإيران أصبحت دولة معادية لها وتشكّل خطراً على وجودها، كما تخلخلت علاقاتها مع تركيا في السنوات الأخيرة، أما أثيوبيا فتفضل علاقاتها السياسية مع مصر والعرب بشكل عام على علاقاتها الاستراتيجية مع " إسرائيل".

 

6) أما على الصعيد الرأي العام العالمي كانت خسارة " إسرائيل" فادحة، فلقد فقدت التأييد الكبير الذي كانت تحظى به في العالم والرأي العام العالمي، ومعظم دول العالم باتت تعيد موقفها من القضية الفلسطينية وتنحاز لنضالات الشعب الفلسطيني، وباتت حالة المقاطعة العالمية لإسرائيل تتسع وتحاصرها في مختلف المحافل الدولية.

 

أما بريطانيا المسئولة الأولى عن زرع دولة " إسرائيل" ورعايتها فإننا وبعد مرور مائة عام على وعد بلفور من حقنا أن نتساءل ألا تتحمّل بريطانيا المسئولية السياسية والأخلاقية عن مأساة شعبنا؟ ألم يحن الوقت لتعتذر بريطانيا عن هذه المسئولية وتعتذر للشعب الفلسطيني عن هذه المأساة؟ ولماذا لا نطالب بريطانيا بتعويض الشعب الفلسطيني، وما هو الفرق بين الهولوكوست الذي تحمّلت مسئوليته ألمانيا والذي تدفع بموجبه تعويضات سنوية لدولة الكيان وبين الهولوكوست الفلسطيني المسئول عنه بريطانيا وهذه المذبحة المتواصلة بحق شعبنا.

 

هذه الأسئلة موجهة لنا كفلسطينيين قبل أن توجه لبريطانيا، ويتعين علينا ألا نصمت عن حقوقنا بل ويجب أن يتردد صدى مطالباتنا في كل أرجاء المعمورة.

 

وبهذه المناسبة التي تذكرنا بكل الفجائع والويلات التي لحقت بنا والمنطقة العربية طوال قرن من الصراع علينا أن نتذكر أن الضحية ينبغي أن يتحمّل جزءاً من المسئولية من مأساتنا خاصة وأننا لا زلنا نفتقد لرؤية استراتيجية موحدة وفشلنا حتى الآن في تجسيد الوحدة الوطنية كأهم شرط من شروط عملية التحرر الوطني، واليوم ونحن نسعى لإنجاز المصالحة يتعين علينا أن نتذكر أنه بدون وحدة وطنية حقيقية وبناء للمؤسسات الوطنية والاتفاق على رؤية استراتيجية فإن مشروعنا التحرري سيظل متعثراً بينما المشروع الصهيوني سيظل يراكم الإنجاز تلو الإنجاز مستفيداً من حالة ضعفنا وانقسامنا، وسيواصل استيطانه الذي يبتلع ويهود الأرض ويضيق الخناق على شعبنا، فإذا لم نتدارك ما يجري سيتداركنا الوقت وسنعيد إنتاج الخسائر والاخفاقات.

 

ومع كل ذلك تظل ثقتنا بشعبنا عالية ذلك الشعب الذي أفشل كل محاولات إحلاله من التاريخ والجغرافية وسينتصر حتماً في نضاله المشروع ضد هذا المشروع العنصري الذي لن يكون مصيره إلا الاندثار.

الصور